
النشرة الأسبوعية مساءً كل يوم سبت من اختيار المحررين
نشرة أسبوعية مسائية من بودكاست فلسطين تصلُك إلى بريدك الإلكتروني، تُقدِّم أمتع وأفضل الحلقات من أكثر من ٣٠٠ برنامج بودكاست عربي نختارها لك لتستمع وتستمتع وتتعلّم.
قصة الكتابة
بقلم / آلاء السوسي
خاص مجلة 360
360.sadaf.ps/#page/71
إنه لمن المجازفة أن أبدأ بالكتابة عن الكتابة ) و أنا محاطة بالأثير الهوائي المغري بالكشف عن كل شيء : إنكَ تخاف أنه ثمة من يتلصص على مشاعرك :هذا الهواء/ الكاميرات المثبتة داخل العيون التي توجد في المناطق المجهولة / السماعات الخفية /المايكرفونات الساخرة التي تلتقط زفرات حنينك الغائب .. كل شي يبدو و كأنه يشير إليك بإصبع الاتهام المرعب : أنت مراقب .
يقول سارتر :” الجحيم هو الآخرون ! “. كونديرا يلتقط هذه اللحظة المتوترة للذات التي تشعر بأنها ليست في مركبة فضائية كما تعتقد (ذات سذاجة ) ، إنها محاطة بالكثير من الوجوه : مليون ذاكرة تلتقط لحظات مرعبة من ملامحنا و أصواتنا و حركات أيدينا ، تحتفظ بها للأبد و نحن لا نعلم أن صورتنا تغيرت – إلى ما لا نهاية- بسبب حركة سقطت من أجسادنا سهوا !
أحاول الانسحاب بذات الطريقة التقليدية . هذه هي بداية القصة : حين أكتب عليَّ أن أنسحب إلى الداخل ، و أن أحتفل بعالمي الجواني احتفالا يليق بجعله حصانا جامحا لا يتوقف عن الركض في المساحات الشاسعة من الحياة !
أختار ذات المقطوعة الموسيقية الملهمة لتشايكوفسكي . لكن هذه بذاكرة مختلفة ، إنها تجعل حصاني يفلت من بين يدي لأستمتع أنا باللحاق به في المستنقعات البشعة أو في المروج السماوية . (كل ما أريده هو ألا أقود حصاني . سأمسك بحبله لأتبعه ، لا لأدله ! )
حين كتب محمود درويش ” رسالة إلى شاعر شاب ” كان يلعب معنا لعبة التفكيك الممتعة : كتب رسالته الكاملة ثم ختمها بتوقيعه الباهر : ” لا نصيحة في الشعر ، لكنها الموهبة / لا نصيحة ف الحب لكنها التجربة ” لقد مارس علينا من عليائه الشعري لعبة التناقض . إنه يكتب رسالة ناصحة ليخبرنا أنه (ليس ثمة نصيحة )!
و حين أتحدث عن الكتابة ، لم يكن بإمكاني أن أمثل دور يوسا و هو يوجه رسائله إلى الروائي الشاب و لا محمود درويش و هو يتبع قافيته و يرسل رسالة بائسة لشاعر شاب . حين أتحدث فأنا أتبع قلبي ، و هوى التدفق المجنون للدخول إلى عالم الكتابة المحموم و المتوتر ..
الكتابة :
لذة الحاجة و الاحتراق ببطء ، و ارتفاع الذات إلى درجة الموضوع (إرضاءً لكبريائها المهمش في دورة التاريخ) .
“و حين تكتب عليكَ أن تكون حرا . “
الكتابةُ لا تحتاج لأنبوب أكسجين صناعي : سيكون قلب النص مريضا . كل ما تحتاجه لكي تكتب هواء حر من أقصى جبال نتشة ، من أقصى جحيم احتراقه . لذة العذاب المتعمد للروح و سخرية الحكاية من نفسها حين تحولت إلى تمثالها الحجري المنقوش (بعنف) كتمثال إله إغريقي !
الأفكار العابرة التي تسير كالأطفال الذاهبين إلى المدارس في الصباحات العادية ، حين نلتقطها بكل عفوية المشهد الضوئي يمكن أن تتحول إلى ذواتنا التي نبحث عنها في الكتابة . فكرة العبور فكرة مدهشة : كل ما عليك هو أن تصنع جسرا ممتدا ما بينكَ و بين مشاهدكَ العابرة . حاول أن تكون حرا !
بطاقةِ السردِ الحكائي ذاتها يمكن أن نكتب ، بذات رتابة الذبذبات يمكن أن تتحول كل المشاهد / الخيالات إلى نصوص . إن الكتابة لا تحتاج منا التأهب لحالةِ ممارسة ، و لا تنتظر أن نلف ربطات العنق حول أصابعنا . كل ما تحتاجه هو السباحة في البحر دون أن تتزود بقوارب إنقاذ . ماذا لو تخيلت أن البحر أصبح كومة رمل و الشاطئ تحول إلى نحاس ؟ عليكَ أن تصدق حدسك !
أؤمن بخيالي فحسب : أطلقه فتاةً بريةً غير مهذبة ، و أقول له : لا تعد دون ألوانكَ الكثيرة . عد ملونا لا تأتني رماديا !
قبل أن أنام تجتمع القراءات و المشاهد في السهوب الواسعة . يبدأ كل شيءٍ بالاختلاط المرهِق . السيارات / الوجوه / أبطال الروايات / الفكرة الضالة ككلب شرس / الوردة الصناعية التي سقطت على الرصيف / جميعهم يجتمعون معا و يرحلون إلى السهوب المدارية الحارة و يعودون متعرقين لأكتب . و عليَّ أن أقول لهم في النهاية : شكرا لكم ، أريد أن انام . تصبحون على خير !
“لحظة الكتابة أزل حاجزك و لا تخاطب نفسك . “
كل المؤلفين هم رواة : كل مؤلفٍ يجلس على مصطبته الحجرية و يخلق مستمعيه ، يحدد ملامحهم و يبدأ في الرواية . في اللحظة التي يرى فيها تبدل ملامح أحد الحاضرين يحول مساره . مخلوقي الوهمي الذي أروي له حاضرٌ دائما . لذلكَ لا أشعر بالوحدة .. إنني أكتب و هو يعيد الكتابة قبلي . هذه هي قصة الكتابة !







