يسعى هذا المقال إلى استكشاف حدود قراءة النص القرآني في ضوء السيميائيات، بوصفها علمًا لتحليل العلامات وبناء الدلالة. كما يطرح إشكالات المنهج حين يواجه نصًّا مقدسًا بخصوصية لغوية ووحيانية، متسائلًا عن مدى قدرة الأدوات السيميائية على احترام مقاصد التنزيل وضبط التأويل.يعدّ القرآن الكريم نصًا تأسيسيًا للحضارة العربية الإسلامية، وفضاءً واسعًا للمفاهيم العالية والقيم الرمزية ودلالاتها، تتجاوز اللغة إلى الفكر والوجدان. ومنذ القرون الأولى، كان مطلب تدبّر القرآن من منطلقات هذه الحضارة، سواء انشغل به علماء التفسير أو اللغة أو البلاغة أو الفقه أو غيرهم. لكن الانقلابات العلمية والتحولات الفكرية وما أنتجته من مدارس في تحليل الخطاب متعددة ومتنوعة، دفعت الباحثين إلى إعادة النظر في أدوات قراءة النص القرآني بحثًا عن آفاق جديدة لفهمه.في هذا السياق برزت السيميائياتhttps://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn1 بوصفها علمًا يعنى بدراسة العلامات ونظرية تهتم بالبناء الدلالي للنصhttps://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn2، وقد اقترحها بعض الدارسين، ورأوا في “آلياتها” و”تطبيقاتها” إمكانية إقامة مشروع قراءة معاصرة للنص القرآني، لأنها توفّر إطارًا معرفيًا ومنهجيًا معاصرًا يمكنُ أن يكشف عن الصلات الداخلية للمعنى. لكن هذه المدرسة تثير أسئلة منهجية، أهمها: إلى أيّ حدّ يمكن للسيميائيات، بما تملكه من مفاهيم وأدوات، أن تحترم خصوصيّة اللسان العربيّ المبين الذي نزل به التنزيل الحكيم؟ وهل تَكفُلُ هذه المقاربة الحدَّ من التأويلات المتصارعة، أم أنّها قد تفتح المجال أمام تأويلات لا متناهية تُبعِد القارئ عن أفق النص ومرجعياته الأصيلة؟في السيميائيات: إحراجات وأسئلةيشير عالم اللسانيات السويسري فرديناند دو سوسير Ferdinand de Saussure (1857-1913) إلى أن اللغة نسق منظم من العلامات (SIGNES)https://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn3 تتفاعل داخليًا لتوليد المعنى الكلي، فلا تُفهم العلامات بمعزل عن سياقها داخل النظام اللغوي. ومن هذا المنطلق، أشار سوسير إلى إمكانية تأسيس علم أطلق عليه السيميولوجيا، يهتمّ بدراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية بهدف فهم الإنتاج الدلالي للمعنى.في المقابل، ركز الفيلسوف والمنطقي الأمريكي تشارلز ساندرس بيرس بيرس Charles Sanders Peirce (1839–1914) على السيميائيات باعتبارها دراسة للمنتوج الإنساني في شتّى مجالاته، بدءًا باللغة والسلوك، مرورًا بالطقوس والرموز، وصولًا إلى جميع مظاهر النشاط البشري، مؤكدًا أن النصوص تُعد وحدات دلالية متكاملة وليست مجرد علامات متفرقة. ويكمل الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو Embero Ecco ( 1932– 2016) هذا المنظور بالقول إن السيميائيات ليست حقلًا أكاديميًا بحتًا، بل مدرسة متعددة التخصصات تهتم بدراسة جميع أنواع العلامات وتحليل سيرورة إنتاج المعاني، سواء كانت لفظية أو غير لفظية، داخل السياق الاجتماعي والثقافي. ومن هذا المنظور، فاللغة ليست وسيلة التواصل الوحيدة، بل هناك أنساق أخرى، مثل الإشارات والطقوس والرموز، تساهم في نقل المعاني. وفي كل المدارس الثلاثة السابقة تُعد العلامة ذات طبيعة مزدوجة: الدال، أي الصورة الصوتية أو الشكلية، والمدلول، أي التصور الذهني للشيء، وعلاقة الدال بالمدلول اعتباطية ثقافية، بل محكومة بالعُرف والتعاقد الاجتماعي. فهل هذا الإطار المعرفي يُوفّر أساسًا متينًا لتطبيق السيميائيات على التنزيل الحكيم؟إنّ الإجابة عن السؤال السابق تجعلنا نرى أنّ السيميائيات في منبتها تطرح إحراجات علمية، نسردها على الشكل الآتي مع أسئلة نرى ضرورتها لرفع تلكم الإحراجات:أ. أولا، إنّ النص القرآني وحي إلهي، يتميز بتراكيب بلاغية فريدة وأساليب لسانية عربية أو روحية مُبِينَة، أما السيميائيات فقد قامت أسسها على مواضيع بشرية، وبالتالي هل نسلِّم للسِّيميائيات بكامل أدواتها الناقدة “للنّص”؟ أم يمكنُ أن نتطلّع إلى بلورة مُقاربة لسانية سيميائية مركبة تُستلهم من النصّ القرآني وتعودُ إليه في تقويمها وتوجيهها نحو الحقيقة؟https://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn4ب. النُّصوص من وجهة نظر السيميائيات «احتمالات دلاليَّة فحسب، وذاك ما يُشكِّل لازمنيَّتها في تصوُّر المؤمنين بها، وهي أيضاً مصدر طاقاتها الدَّلاليَّة في عرف من يبحث فيها عن معانٍ لا ترتبط بالمشخَّص فيها؛ إنَّها في الحالتين معاً لا تحمل معناها أو معانيها في ذاتها، بل تستمدُّ جزءاً منها من المعتقد أو من قُرَّائها. إنَّها في هذا وذاك تَسْريد للخبرة الدِّينيَّة باعتبارها تدبيراً لـ”قلق” هو ما يميِّز حضور الإنسان في العالم، انفتاحه المزدوج على ما يوجد خارجه واستيعابه في المعنى لما يتسرَّب إلى وعيه. فالسَّرد يُمكِّننا من “تشخيص” الكثير من المواقف الَّتي نتحاشى التَّعبير عنها بشكل مباشر»https://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn5، هذه الرؤية تطرح أمامنا مسلمة محرجة ألا وهي إمكانية النظر إلى النصوص القرآنية بوصفها احتمالات دلالية فحسب، وهذا يعني أنها نصوص لها معنى، ولكن لا تنغلق على معنى واحد، بل إن النّصّ بنية مفتوحة كما يقول أمبيرتو إيكو يقدم إشارات وعلامات وإيحاءات، يترك فراغات أو مناطق غير مصرح بها، تملأ من قبل القارئ، إن النص أثر مفتوح، والانفتاح له علاقة بالمؤول الذي يستهلكُ الأثر أو النص أو الخطابhttps://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn6.وبالتالي ألا تسقطنا هذه الرؤية في لامحدودية التأويلات وميولاتها إلى ثقافة القارئ، كل قارئ يسقط خبراته عليه، والأخطر ميولها إلى هواهُ الذي يَألهُ إليه، وبالتالي هل نحصل هنا على قراءة واضحة للنص القرآني، أم على قراءات متعددة ومتصارعة مع النص والواقع معًا؟ وبما أنّ النص القرآني له مقاصد عالية، من جملتها الرحمة والاختلاف والتسامح، ألا يمكن الحديث عن تأويلات مشروعة تتوافق مع تلكم المقاصد العالية، وتأويلات غير مشروعة لأنها لا تحترم قيم النص القرآني وتنقطع عن فهم لسانه؟ ألا يمكنُ ضبط فوضى التأويل بأدوات مستلهمة من اللسان العربي المبين نفسه؟ت. النص القرآني لا يخلو من السرد، وهذه من طبيعة النُّصوص الدِّينيَّة عمومًا، و« لكنَّها تفعل ذلك بطريقتها الخاصَّة، إنَّها تُعيد صياغة وقائعه في شكل استعارات تختفي في الغالب في تفاصيل السَّرد»https://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn7. مما يطرحُ إشكال التطابق الكلِّي وتأويل حدثها في اللُّغة. زيادة على أن السرد القصصي في النص القرآني لا يأتي دائمًا في وحدة سردية كاملة، بل متفرقة في جملة من السور، على سبيل المثال قصة موسى -عليه السلام- مع فرعون. فضلا على أنّ بعض الدراساتhttps://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn8 لم تر في القرآن استعارات ولا مجازات ولا تشبيهات، ولا كنايات، ولا إيجازًا أو إطنابًا، بل إنّ شرح التراكيب القرآنية وفق الاعتقاد بوجود مجاز في القرآن يعدّ عملا باطلا ! فهل افتراض وجود استعارات في القرآن مثلا يمكنُ أن يصعِّب علينا فهمه، بالمقابل خلو القرآن من الاستعارات يسهِّل علينا فهمه؟ث. إنّ تفاوت المعنى بين العالم الخارجي وما يتم تمثيله بالكلمات في النص القرآني، ألا يمكنُ أن يسبب غموضًا في المعنى؟ مثلا صورة النخل في ذهنية متدبر مسلم كَنَدِي، هل تتطابق مع التجربة الحسية لسحرة فرعون وهم يصلَّبون في جذوع النخلhttps://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn9 مع العلم أنّ السيميائيات ترى أنّ «الشَّكل الوحيد الممكن لوجود الأشياء هو وجودها في اللغة»https://mujtama.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85/#_edn10، وبالتالي نكتفي بالوصف أم لا بدّ من تقريب المعنى دلاليًا واستدلاليًا نوازنُ به بين الأشياء والنّصّ؟ ثم ألا تبقى هذه الموازنة في ذاتها تأويلا فقط؟من الاعتباطية إلى القصدية:رأينا سابقًا أن أول من نادى بالسيميائيات كعلم تحليلي لغوي لحياة العلامات داخل المجتمع هو فرديناند دو سوسير، وهو نفسه الذي يؤكّدُ على اعتباطية العلامة اللغوية، أي أنّ صلة الدال بالمدلول هي صلة اعتباطية، اصطلاح غير معلل بأية قاعدة، وهو تواضع بشري وعادة جماعية فقط. ويقدم لنا دو سوسير في هذا السياق مثالا عن لفظ ” أخت” فمن الجهة الصوتية لا توجد أي صلة بينها وبين صورتها الذهنية، بإمكاننا أن نستبدلها بأصوات أخرى من دون أن تتغير الصورة، كأن نقول Sister في الإنجليزية أو Soeur في الفرنسية مثلا. وبالتالي، فإنّ معنى واحدًا يمكنُ أن نعبر عنه بألفاظ متعددة؛ فاليم هو البحر، والقط هو الهر، والسيف هو الحسام .. إلخ.تعرضت هذه الاعتباطية لنقد علمي شديد، وكان من أبرز المنتقدين لها عالم سبيط النّيلي ومحمد شحرور، حيث يرى كل منهما أنّ مقولة اعتباطيّة العلاقة بين اللفظ والمعنى – كما صاغها دو سوسير – لا تنطبق على اللسان العربي، ولا سيما على لغة القرآن الكريم. وبيانُ ذلك فيما يلي:عالم سبيط النيلي والقصدية:مؤسسًا بذلك منهجًا جديدًا عرف بالمنهج اللفظي.أما خلاصة هذا النقد فيمكنُ عرضه على الشكل الآتي: إلغاء الترادف في اللغة وما يتبعه من اعتباط، وبالتالي فهم اللغة القرآنية على أنها نظام محكم داخلي؛ ففي مقابل الأدوات السيميائية التجريبية يمكنُ «فتح الأبواب للمعرفة القرآنية كي تحلّ محلّ المعرفة التجريبية العاجزة عن إحداث التغيير المنشود في النظام الطبيعي سعيًا لتغيير العالم وفق الإرادة الإلهية وتحقيق الهدف الأول من الخلق»
نشرة أسبوعية مسائية من بودكاست فلسطين تصلُك إلى بريدك الإلكتروني، تُقدِّم أمتع وأفضل الحلقات من أكثر من ٣٠٠ برنامج
بودكاست عربي نختارها لك لتستمع وتستمتع وتتعلّم.![]()
النشرة الأسبوعية
مساءً كل يوم سبت من اختيار المحررين
- عبير سليمان | لماذا نحتاج إلى الله؟
- وجه الحقيقة في فيلم تشريح السقوط | باسم سليمان
- العرض المسرحي.. لحظة حاسمة بين فضاء اللعب وفضاء الفرجة | سامر محمد إسماعيل
- الترجمة إلى المحكيَّات المحلية.. ثقافة الصابون | ريم حبيب
- عصور حضارة وادي الرافدين القديمة | أ.د.نائل حنون
- التدبر المعاصر للنص القرآني: بين السيميائيات واللِّسان العَربيّ المُبين | د. بدر الحمري
- أحمد دلباني | غيبةُ الـ”كُوجيتو” العَربي
- د. عقيل سعيد محفوض | العرب ومشكلة الدولة
- لويس صليبا | قراءة نقدية في كتاب “السلطة في الإسلام” لعبد الإله بلقزيز
- بَسكال لحُّود | أتكره الحرب أكثر.. أم نفسك؟



