شارك البودكاست

لم يكن العرب قبل الإسلام أسرى الصحراء بقدر ما كانوا أسرى بنيتهم الذهنية. كانت الأرض مفتوحة، لكن المعنى مغلق. وكانت القبيلة، لا الطبيعة، هي السجن الحقيقي: حيث يُختزل الإنسان في نسبه، وتُقاس الحقيقة بميزان القوة، ويُلغى الفرد لصالح الجماعة

جاء الإسلام ليكسر هذه البنية لا ليعيد إنتاجها. لم يكن مجرّد خطاب ديني، بل لحظة انقلاب على نظام المعنى نفسه: نقل الإنسان من الانتماء البيولوجي إلى المسؤولية الأخلاقية، ومن سلطة الدم إلى أفق الفكرة. لقد كانت الرسالة، في جوهرها، خروجًا من “الطبيعي” إلى “الإنساني”، ومن الموروث إلى الممكن

غير أن هذا الانقلاب لم يكتمل. فالتاريخ، بخلاف لحظة الوحي، لا يحتمل الفراغ طويلًا. وما إن انكسر الإطار القديم حتى بدأ الوعي الجمعي في إعادة ترميمه، ولكن هذه المرة داخل الدين ذاته. وهنا نشأت المفارقة الحاسمة: ما تمّ هدمه باسم الإسلام، عاد ليُبنى باسم الإسلام نفسه (تأسلُم). لقد جرى، تدريجيًا، تحويل الرسالة من طاقة مفتوحة إلى بنية مغلقة. الوحي الذي كان يحفّز السؤال، أصبح نصًا يحتكر الجواب. والتجربة التي كانت تدعو إلى التحرّر، تحولت إلى منظومة تضبط هذا التحرّر وتحدّه. لم يعد الدين أفقًا يُخاض، بل نظامًا يُتّبع

وهنا يبدأ الحصار. ليس حصارًا خارجيًا، بل داخليًا، أكثر تعقيدًا وخطورة. حين يتحول الإسلام إلى مرجعية مكتملة لا تقبل المراجعة، يُجرَّد الزمن من حقه في التفاعل معه. وحين يُرفع النص إلى مستوى نهائي، يُغلق باب التاريخ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى. في هذه اللحظة، لا يُلغى الإسلام، بل يُجمَّد

إن ما يُسمّى بـ”اكتمال الدين” كان، في الوعي التاريخي، سلاحًا ذا حدّين: منح اليقين، لكنه سحب إمكان التطوّر. رسّخ الثبات، لكنه ضيّق أفق الحركة. وهكذا، بدل أن يكون الإسلام قوة ديناميكية داخل الزمن، جرى تثبيته خارج الزمن، ليغدو معيارًا ثابتًا لعالم متغيّر

النشرة الأسبوعية مساءً كل يوم سبت من اختيار المحررين

نشرة أسبوعية مسائية من بودكاست فلسطين تصلُك إلى بريدك الإلكتروني، تُقدِّم أمتع وأفضل الحلقات من أكثر من ٣٠٠ برنامج بودكاست عربي نختارها لك لتستمع وتستمتع وتتعلّم.

Series Navigation<< من بلاغة الكوجيطو إلى أيديولوجيا الحجَّة الزائفة | د. بدر الحمريمفارقةُ المشروعيّة الديمقراطيّة بين الإجرائيّة والمعياريّة | مصطفى إنشاء الله >>