شارك البودكاست

يُقدَّم القانون نفسه بوصفه الركنَ الذي عليه تقوم الدولة الحديثة، والسلطانَ الأسمى الذي لا يعلوه سلطان. غير أنّ هذا الادعاء، على بداهته، يفتح النقاش على معضلة فلسفية وسياسيةٍ في الآن نفسه، أكثر تركيبًا وتعقيدًا: من أين يستمدّ القانون مشروعيّته؟ لماذا على الفرد، بوصفه ذاتًا حرّة، الانصياع إلى قاعدة تُلزمه وتكبل إرادته؟ فالإكراه القانوني لا يتجسّد في قدرة الدولة على فرض الخضوع بالقوة، فحسب، بل باعتباره أيضًا –وأساسًا–، رضًا جماعيًّا للخضوع لقاعدة هي بالأحرى “واجبٌ” يستحقّ الالتزام به.  من هنا مفارقة الديمقراطيّة: فهي، من جهة، نظامٌ يُبشّر بأن السلطة لا تُمارس إلا برضا وموافقة المحكومين (=المواطنين)، غير أنها، في المقابل، تحمل في ثناياها قوانين من شأنها تقييدُ حرّية المواطن وإكراهه واستباحة العنف في حقه باسمه؛ باسم إرادة غالبية المواطنين

بذلك تتأسس مفارقة الديمقراطيّة على توتر داخليّ بين نمطين من المشروعيّة: المشروعيّة الإجرائيّة والمشروعيّة المعياريّة. لا تلتفت الأولى إلى مضمون القانون وعواقبه، وإنما تكترث، فقط، لطريقة إخراجه ومدى انضباطها للقواعد الديمقراطيّة المسطريّة: انتخابات حرّة، تمثيلٌ سياسيّ، تصويتٌ، مؤسّسات تكفل الشفافيّة والتداول على السلطة. بذلك، يصير القانون، الذي يحظى بالمشروعيّة، كلّ قاعدةٍ خرجت من رحمِ الإرادة العامّة وفقَ المتَّفق عليه من القواعد الديمقراطيّة والإجرائيّة لسنِّها وإخراجِها وتنفيذِها

لكن هل تكفي سلامةُ الإجراء للتسليم بعدالة النتائج؟ ماذا لو أنجبت هذه السيرورة الإجرائيّة، المستندة إلى الأغلبيّة، قوانين تأتي على حقوق الأقليات، أو شرعنت التمييز واللاتسامح؟ أليس في إمكان طغيان هذا الوجه الإجرائيّ، ذو النزعة الأغلبية في الديمقراطيّة، أن يُودِيَ بالديمقراطيّة نفسها؟ هكذا يفصح الوجه الإجرائيّ في الديمقراطيّة عن تهديدٍ، كامنٍ فيه، بالتحول إلى “استبداد الأغلبية” مُعلَّبٍ في شرعيّة ديمقراطيّة إجرائيّة، تحترم حقّ الأغلبيّة في تقرير مصيرها، لكنها تُهدّد حقوقَ الإنسان والمعايير الإنسانيَّة

النشرة الأسبوعية مساءً كل يوم سبت من اختيار المحررين

نشرة أسبوعية مسائية من بودكاست فلسطين تصلُك إلى بريدك الإلكتروني، تُقدِّم أمتع وأفضل الحلقات من أكثر من ٣٠٠ برنامج بودكاست عربي نختارها لك لتستمع وتستمتع وتتعلّم.

Series Navigation<< حصار الإسلام بالتأسلم.. النبوءة الأخيرة والقول الأخير |نبيل صالحالتلموديات في الفقه التراثي الإسلامي | نبهان خريشه >>